في بلد يتمدد فيه الفقر كما يتمدد ثعبان في الرمال لا مستقبل لوطن تتعرى فيه المرأة كي تأكل."صلاح عبد الصبور".
كانت المصادفة وحدها التي جعلتني اتعثر بحكاية هذه المرأة .. اسمها "سمية" متزوجة وام لأربعة اطفال .. تعرفت عليها في حفل ختان ابن صديقة مقاعد الدراسة .. حدث بيننا استلطاف وحديث ممتع .. كانت لا تحب الموسيقى الصاخبة مثلي ولا تعرف الرقص مثلي .. وتحب من الطبع الشرقي فريد الأطرش ومن الطبع الجزائري خليفي احمد وزوليخة .. لا تحب الأغاني الشبابية والراي وقالت ان الأغاني الفرنسية تعلمتها من زوجها .. واعجبت بذوقها الذي لا يبدو من خارجها وطريقة لبسها .. وبجمالها وهدوئها .. وافترقنا على أمل اللقاء ثانية ومن ذلك الوقت لم ارها .. الا في المدة الاخيرة وبالضبط اليوم الذي حكت لي معاناتها .. في بيت صديقتي .. ودار الحديث بيننا عما حدث لها واستغربت كيف تجهر بالفاحشة هكذا دون ان تستحي .. فقالت لي صديقتي انها تعيش صدمة نفسية حادة ودخلت المستشفى اثر انهيار عصبي .. فجاشت في صدري عاطفة الإشفاق ..
تزوجت عن قصة حب .. كانت في العشرين .. معجبة بجمالها تغرها الاطراءات والنظرات التي تراها وتسمعها من المارة و المحيطين بها .. شعر كالليل منسدل على كتفيها .. عينان كأنهما الصفاء .. وبشرة بيضاء .. اسمها ( ) سمية ليس اسمها الحقيقي نناديها به لأنها تشبه سمية الخشاب .. مرهفة الحس .. هادئة .. طيبة .. مسرفة .. حنونة .. عطوفة .. تعطي بإغداق .. طيبة الى حد السداجة .. وعفوية كالطفولة تحكي كل شئ ولا تخفي شئ ..
إلتقت به ذات صيف على شاطئ البحر .. احبها بجنون .. وحارب الدنيا لأجلها تزوجته رغم معارضة اهله .. وانجبت له اربعة رجال .. وهي حامل بطفلها الرابع تركها .. ملّ منها ضجر من اطفالها .. ضاق به الوطن .. فرحل الى المهجر .. وبالضبط الى فرنسا
يلهث وراء عشيقة تعرف عليها عبر اسلاك الشات.
وفقدت معيلها الوحيد .. وتطرد من بيتها وعلتها الوحيدة انها جميلة وجدة الاطفال تخاف على عزابها منها .. ترحل المسكينة مع ابنهائها الى بيت اختها الوحيدة .. تبقى زمنا ثم تلقى نفس مصيرها المحتوم الطرد فالاخت تخشى على زوجها من اختها الفاتنة .. وهي لا تضمن نزواته وميوله الحيواني ..
خرجت الى الشارع تجر اذيال الخيبة والانكسار .. دقت الابواب علها تجد مهنة محترمة تقتات منها .. خدمت في البيوت واراد سيد البيت ان يتخذها جارية .. فهربت .. ولجأت الى صديقة الطفولة .. فرحبت بها كيف لا وهي سلعة مضمونة المكسب .. قالت لها بصريح العبارة انك جميلة وسوف تأكلين الشهد .. وعرفتها على طريق الفساد .. وسكنت البيوت الراقية .. وأطعمت ابناءها ما لذ وطاب من لحمها وشرفها ..
حينما كلمتها رأيت امرأة ترتسم القسوة على وجهها .. تنم عما بداخلها من كره وغلطة للحياة التي تعيشها .. تكره انوثتها .. تحقر جسدها .. تكره الرجال الى حد اذلالهم .. قالت لي اكره كل الرجال عدا ابنائي ..
في ذلك اليوم عدت الى البيت وخاطري منشغل بها .. وفي ابنائها وذلك الرضيع الذي كان في حجرها يمسح دمعها وهي تبكي .. يقبلها في كل مرة .. ليؤكد ببراءته أنه يشاركها حزنها وهمها وانه موجود ليجدد فيها امل الحياة .
صورة مؤلمة لمعاناة أم وصغير يحاول التخفيف عن امه بتلك القبلة والابتسامة وهو يمسح دمعها .. وهي تبكي وتقبله بشدة وتحظنه بقوة وتقول لأجلهم ارمي نفسي في الجحيم.
شعرت لحظتها انه لم يعد في رصيد مشاعري شيئا .. وانا ارى الفقر مجسد امامي .. في هيكل امرأة .. يرتج البؤس والسقوط في ملامح ما عرفت يوما رجلا غير زوجها .








































24 يونيو, 2008 04:07 م